القراءات: 1670
2010-04-25
الإنسان والملابس أمام التحدي فبين الحشمة والتعري هوة كبيرة
ليس غريبا أن تقترن طريقة ارتدائنا للملابس في المجتمعات الشرقية بالموروث الحضاري والقومي والعادات والتقاليد التي تسود فيها، والتي تختلف من بلد لآخر ومن شعب لآخر. كما ليس غريبا أيضا أن يكون لطريقة ارتداء الملابس علاقة وثيقة بالجانب الديني والطقسي لدى الديانات المختلفة. فمِن الناس مَن يعتبر الملابس كساءً للجسد ويعتبر طريقة ارتدائها مسؤولية والتزام سواء أمام النفس أو الآخرين أو الله وفي كل زمان ومكان، ومنهم من يعتبر الملابس طريقة للتفنن في إظهار مفاتن الجسد والانطلاق نحو تحقيق رغبات وغايات، ومنهم من ينظر إليها بأنها وعلى أي نحو بدت فهي ممارسة تندرج ضمن الحريات الشخصية للإنسان إذ لا يحق لأحد التدخل فيها، ومنهم من يرى بان لكل مكان ملابس خاصة تليق به فهذا طبيعي فيما إذا كان القصد من وراء هذه الفكرة بان ملابس السيرك للمهرج وهو يؤدي الحركات، والزَي العسكري للجندي وهو يؤدي واجبه، والمستلزمات الرياضية للرياضي وهو يلعب وهكذا. في حين من غير الطبيعي سيكون لو يراد معنى آخر من هذه الفكرة وللشعب الآشوري فيما يخص هذا الموضوع عبر التاريخ ملامح وأوجه متعددة، فملابس الماضي لا تشبه ملابس الحاضر، كما إن ظروف الماضي، لا تشبه ظروف الحاضر. وأيا كانت الظروف والمسببات يبقى هناك خلف الملابس من يصنعها ويبيعها ومن يشتريها ويلبسها، سواء كانت شتوية أم صيفية، فلكلورية أم عصرية، ملونة ام عادية، رجالية أم نسائية أم ملابس أطفال. ولمعرفة كيف كانت تصنع وتباع وتلبس في الماضي، وكيف تصنع وتباع وتلبس في الحاضر، وما هو رأي الجانب الإيماني منها ماضيا وحاضرا ومستقبلا؛ كان لنا أن نعد هذا التقرير الذي حاولنا بمعية الرب أن نسلط الضوء فيه على ابرز الجوانب المتعلقة بالموضوع فابقوا معنا إعداد وتحرير: نسيم صادق بداية محطاتنا كانت مع الحرفي (موشي كَيوركَيس) الذي نقلنا من خلال ما رأته عيناه المخضرمتين ماضياً، وما تراه حاضراَ إلى لحظات تستوقف المرء ليتأمل فيها، فتارة كان يبتسم ويضحك فرحاً عندما يسرد ذكريات الماضي، وتارة أخرى كان يجر أنفساه أسفا على متغيرات الحاضر. هذا الحرفي الآشوري الذي يناهز الستة وسبعون عاماً، مستمر في مزاولة حرفته قرابة الستون عاماً دون كلل أو ملل. وهي صناعة ملابس (الشل والشبك) والملابس الآشورية الفلكلورية المعروفة لدى أبناء الشعب الآشوري بـ (الخومالا) مام موشي استقبلنا في بيته بنشاط وحيوية، وأجاب برحابة الصدر على أسئلتنا بكل ودية: هل لك مام موشي أن تعطي لنا نبذة تاريخية عن هذه الحرفة التي تحترفوها لقرابة عقد من الزمن؟ بكل سرور... من جميع قرى أبناء شعبنا انفرد أبناء منطقة كَيرامون الآشورية بصناعة الألبسة فلازلت منذ حوالي الستون عاماً أمارس هذه الحرفة ونحن أهالي قرية (برزه نكى) كنا نمارس من قبل هذه الحرفة في القرية، حيث كنا نصنعها هناك ومن ثم نبيعها في منطقة بامرني. وقليل من أبناء قرى شعبنا الأخرى كان يقصدنا، لأن الناس قديما كانت أوضاعهم المادية ضعيفة، إذ لم يكن بمقدورهم شراء (الشل والشبك) فكانوا يبتاعون لأنفسهم (الخاك) الذي كان يصنع قديما في الموصل بواسطة المكائن، و يباع في بامرني أيضا. ونحن كنا نغزل لأنفسنا أما الناس فمن كان له (شل) وتمزق كان يرقعه ليرتديه ويحافظ عليه لأقصى مدة ممكنة وكانوا الأغنياء من الكورد هم اغلب من كان يشتري منا (الشل والشبك) ولازلنا نمارس هذه الصناعة في دهوك منذ قدومنا إليها عام 1961م ونعتمد في صناعتنا للألبسة على أدوات قديمة مثل: بندا و كَوبا و مكا وقلوى وأخرى كثيرة. ونستخدم فيها المرص الذي نشتريه ونغسله ونصفيه ونمشطه ونلفه، ليصنع منه قطع القماش التي يتراوح طولها (14م) ونغسلها ومن ثم نجففها ونفصلها عن بعض ونخيطها بالقيطان أو نبيعها في السوق وهناك تخاط. ولا يسعني شرح تفاصيل عملية صنع (الشل والشبك) بإسهاب ما لم يكن الشرح مرافقاً للخطوات العملية خطوة بخطوة، فإجماليا تمر عملية صنع (الشل والشبك) بحوالي (366) مرحلة وأداة تستخدم في صنعها، ولكل منها وضيفتها الخاصة وتستغرق أيام عديدة. كيف كان الناس يلبسون في الماضي وكيف تراهم يلبسون الآن... أرجو أن تحدثنا من خلال نظرتك للواقعين. في السابق كان الرجال يلبسون الشل والشبك الذي يعتبر من تراثنا القومي. والشل هو أنواع قمطياثا، تياريانا، تياريانا تخوبي، تياريانا دوستكي... الخ وكانوا الرجال يرتدون أليلك الأسود وفي الشتاء كانوا يرتدون الجاكيتات والمعاطف المطرية. وكان الحذاء منتشر في الماضي وكان يعرف بـ ( كالك ) الذي كان يصنع من مرس يغزلونه من صوف الغنم الأبيض ويتم تمشيطه ومن ثم غزله بشكل سميك ويتم خياطته على الكالك. والمرأة كانت تلبس فساتين طويلة كنا نخيطها بأنفسنا بأدوات خياطة لازلنا نحتفظ بها. كنا نشتري القماش من الموصل، أو كانوا يجلبونه لزوجتي مريم من قرية الداودية لتخيطه لهم وكانت ثياب المرأة طويلة تغطي حتى أسفل عَقِب القدم، وكانت ترتدي تحت الفستان سروال طويل يغطي حتى نهاية الساق، وإذا ما شوهدت امرأة ترتدي فستان أقصر من هذا الطول ولو قليلا جدا، لنبهها والدها على الفور قائلا: إياك وأن أراك مجددا بهذا اللبس ثانية. والسبب من التمسك بهذا النوع من الملابس كان ديني وقومي. كون الناس في الماضي كانوا متمسكين بموروثهم القومي أكثر كما كانوا متدينين أكثر من اليوم، فما نشاهده في الحفلات والأعراس وما يرتدنه الفتيات من لبس عاري يظهر جسد المرأة، يرينا بان الإيمان قد قل، والناس تغيرت كثيرا، والكتاب المقدس هو نفسه لم يتغير بشيء. وللأسف إن هذا الواقع صعب، والحالة التي نحن فيها غير مرضية، ومنذ البداية لم نكن نشجعها ولكن مع العمل فقد انتشرت كثيرا. بخصوص جودة نوعية الملابس، أيهما تراها الأفضل ملابس الماضي أم ملابس الحاضر ؟ وكيف ترى مستقبل حرفتكم؟ أرى إن الملابس قديماً كانت مقاومة أكثر من الملابس الحديثة. و أأسف بشدة أن أقول بأن الصناعات اليدوية بدت تنقرض وفي حال أعتزل أهل الكَيرامون عن مزاولة هذه الصنعة فإنها ستنعدم لا محالة ولدي ثلاثة أبناء روبرت وكَيوركَيس والآخر في أمريكا أسمه إنويا وجميع أبنائي يعرفون مزاولة هذه المهنة وإنشاء الله سنعمل جادين على المحافظة عليها من الضياع وسيتوارثها بإذن الله الأجيال القادمة من بعدنا. فالملابس التي نغزلها هي أصلية وجميلة والصناعة هي صناعتنا، ولكن الغرباء من يلبسونها. والشيء الوحيد الذي لنا فيه العزاء، هو إن الناس لازالوا يلبسون ملابسنا الفلكلورية (خومالا) وإن كان ذلك فقط في الحفلات إلا إنها خطوة جيدة جدا لأجل المحافظة على هذا النوع من الألبسة، التي تظهر قدم تاريخنا في بلاد مابين النهرين. ومن الماضي ننتقل الى الحاضر، إذ لا يخفى على المتابع الزيادة الكبيرة الواضحة في عدد محلات بيع الألبسة خلال الأعوام الثلاث الأخيرة. فالمحلات تنتشر في كل مكان، وهي تتقارب بشدة في انماط عروضها للمبيعات، وسط رغبات واذواق متعددة، وميول واتجاهات مختلفة. وللوقوف عند هذه الظاهرة عن قرب ولمعرفة المواد التي يتبضعوها هؤلاء الباعة وكيفية صرفها في السوق وعن أسعارها وعن أذواق من يرتادون لتلك المحلات التقينا بالسيد (سعد بيو يوسف) الذي يعتبر من سكنى محافظة دهوك، وأحد المستثمرين فيها حاليا بعد إن نزح إليها قادماً من بغداد. فهو صاحب محل (FOR YOU) لبيع الألبسة النسائية الواقع ضمن مبنى موتيل شانا السياحي، على الطريق المؤدي الى المتنزه السياحي (كَلي دهوك)، بيو عمل في مجال بيع الألبسة منذ حوالي أربعة عشرة عاماً من الآن. وقد تحدث إلينا بأسلوب مستفيض، ليحيط قرائنا بمعلومات قد تبدو جديدة بالنسبة للكثير، ومألوفة عند القليل. قبل كل شيء ما هي الإجراءات الأولية التي يتوجب اتخاذها لفتح محل بيع للألبسة؟ لا توجد شروط خاصة لفتح محل ألبسة، فلا حاجة إلى إجازة لفتح المحل، إذ يمكن لأي شخص إن يفتتح لنفسه محل لبيع الألبسة، بعدما يجري عملية بحث عن موقع مناسب. في حال يجده يتفق مع صاحبه على الأمور المتعلقة بالإيجار، وبعدها يقوم بإجراء معاملة رسمية في مديرية ضريبة الدخل، وذلك لدفع ضريبة الدخل السنوية. كونك نشطت في مجال بيع الألبسة في بغداد وحالياً في دهوك، اخبرنا كيف تقارن العمل في بغداد مع العمل في دهوك؟ هناك فرق بين المرحلتين. ففي المرحلة السابقة لم تكن الموديلات تنزل في أسواق بغداد كما تنزل في الأسواق العالمية. والملاحظ أيضا الموديلات لم تكن تصل إلى بغداد كما كانت تصل إلى دهوك فدهوك كانت تتأثر بالموديلات أكثر من بغداد كون البضائع كانت تصلها أولا ومن ثم تنزل إلى بغداد. ولكن خلال فترة الحرب الأخيرة، شهدت بغداد انفتاحاً غير مسبوق في هذا المجال، حيث لم يكن متاحا السفر والتبضع لكافة تجار الألبسة سوى لبعض التجار، الذين كانوا يستوردون بالجملة ويبيعوها بالجملة في شارع معروف في بغداد. وبعد زوال النظام السابق، بدت بغداد تنفتح هي الأخرى. إذ أصبح متاحا لكل تاجر بأن يسافر إلى الخارج ليستورد البضاعة التي يريد والدول التي يستورد منها تعتبر من بين أكثر دول العالم إنتاجاً للألبسة وهي سوريا وتركيا، اللذان بحسب تقديري يساهمان بنسبة تقدر بـ ( 70% ) من إنتاج العالم للألبسة. ولكن تبقى دهوك المنفذ الأول إلى الجارة سوريا وتركيا. وهذا سيؤثر بالتالي على سعر البضاعة، لأن البضاعة تتأثر أيضا بتكاليف الشحن. فمثلاً البضاعة عندما تدخل العراق تصل إلى دهوك قبل أن تصل بغداد، وبالتالي في دهوك ستكون أرخص مما تكون في بغداد. حسنا مع كل هذا نرى معظم السياح الوافدين من داخل العراق إلى مناطقنا يرون بان الأسعار مرتفعة وهي أغلى من بغداد فكيف تنظر إلى ذلك؟ بالفعل هناك فرق في السعر، والسياح عادة يطلقون أحكامهم على أسعار المواد في السوق بشكل عام، دون أن ينتبهوا للفرق في قياس سعر كل مادة عن الأخرى، فلكل نوعية خصوصية. فمثلا عند المقارنة بالنسبة للسعر يجب مقارنة كل قطعة ملابس في سوق دهوك مع ما يماثلها طبقاً للأصل في بغداد. وفي أحيان أخرى تختلط الأمور عند السائح، فتبدو له قطعة الملابس التي شاهدها في بغداد مطابقة لما يجده في دهوك طبقا للأصل، ويستغرب من غلاء سعرها في دهوك عما هي عليه في بغداد، ولكن في حقيقة الأمر هناك اختلاف من حيث المنشأ لم ينتبه له فالقطعة التي شاهدها في أسواق دهوك قد تكون تركية المنشأ، والأخرى صينية المنشأ، ومن الطبيعي أن يفرق السعر في هكذا حالات. هل تعانون نوعا ما كتجار من عدم الأريحية في استيراد وتسويق الألبسة كون المصدر الرئيسي للاستيراد يبدو واحداً إما سوريا أو تركيا؟ لاحظ معي ثلاثة أرباع تجار الوطن العربي يتبضعون ألملابس من سوريا. ففي رحلاتي التجارية إلى سوريا، التقي بتجار من فلسطين وليبيا واليمن والجزائر وتونس والكويت والسعودية، أي إن أكثر بلدان الوطن العربي تتبضع منها، أما دول أوروبا فتستورد من تركيا، مع الأخذ بنظر الاعتبار اختلاف الخط الأوروبي، عن خط بلدان الشرق الأوسط. وعلى الرغم من كل شيء، فانه بالعكس لا توجد هناك عدم أريحية، لأن التجار عندما يرتادون سوريا أو تركيا لا يرتادون جميعها إلى محل واحد لبيع الألبسة بالجملة، فهناك مثلا مدينة اسطنبول في تركيا تعتبر من أشهر مدن تركيا يسكنها قرابة ( 52000000 ) مليون نسمة سترى بأنه في كل جزء منها معامل إنتاج للألبسة هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك محلات لا يبيعون إلا لعدد محدود من التجار العراقيين، فقد تتعامل مع تاجر عراقي واحد أو اثنين. والجدير ذكره أن أغلب تجار الألبسة يقومون برحلات تجارية خارج العراق لجلب البضاعة، ولكن يضل هناك من يشتري البضاعة لمحله من محلات لبيع الألبسة بالجملة في زاخو أو دهوك. كما أود الإشارة هنا بان عملية التبضع فيها خطوط مثلاً بالرجالي هناك من يتميز بالجينزات والبوديات، وآخر يتميز بالقوط وبالكلاسيكي وهكذا. وكذلك الحال بالنسبة للمحلات النسائية فهناك محلات تتميز خطوطها بالسهرة، وأخرى بملابس المحجبات، وأخرى بالألبسة الداخلية... الخ. حسناً وما هي الاعتبارات التي يضعها التاجر في اختياره للبضاعة التي يشتريها ليبيعها في أسواقنا المحلية؟ أولا يراعي الخط. فمثلا الخط الذي أنشط فيه تجاريا حالياً هو خط السبورات والجينزات والسهرات، فتراني أبحث عن بضاعة تنسجم مع خطي. ثانيا أن يراعي جودة البضاعة، أي نوعية الأقمشة التي يكثر الطلب عليها محله، وهذا الأمر سيتسنى له معرفته من خلال التعامل اليومي مع الزبائن الذين يترددون إلى محله. والشيء الثالث الذي عليه مراعاته هو السعر المناسب، فالملابس حالها حال أي شيء آخر تلقى فيها الرخيص والوسط والغالي، ونحن نعتمد على جودة النوعية والسعر المناسب. كيف لكم أن تتعاملون مع الأذواق والميول والاتجاهات المتعددة والمتنوعة للزبائن الذين يترددون لمحلكم؟ هذه نقطة مهمة فمثلاً هناك زبونة تلبس التنورة القصيرة، وأخرى لا تلبس التنورة القصيرة. كذلك بالنسبة لملابس السهرات المغرية هناك من يتقبلها، وهناك من لا يتقبلها. حتى الجينزات هناك من يأخذ الستريج المجسم، وهناك من ترغب بالعريض وهكذا بالنسبة لبنطال القماش فهناك من تفضل الكيلوت، وهناك من تفضل العريض. لذا يتوجب مراعاة أذواق الزبائن فكل موسم له ألوان معينة، يكون الطلب عليها أكثر. مثلا محلي هو محل سبورات وسهرة والزبائن الذين يترددون إليه أذواق فمنهم من تبتاع ملابس السهرة في مناسبة معينة، وترى نفس تلك الزبونة في مناسبة أخرى ترغب باقتناء قطعة رزينة لكي تلبسها خلال الدوام. والبعض تراهم يعبر عن تساؤله باستياء وتعجب فيما إذا كانت قطع السهرات تباع أو هل هناك من يلبسها في حين هناك من يؤيد بشدة لبس السهرات فيقول من حسن حضنا بأنه افتتحت محلات لبيع ألبسة السهرات، سابقا كنا نعاني كثيرا بحثا عن لبس للسهرات، ولم نكن نجد القطعة المناسبة. يمكنني القول بأننا لا نقدر أن نرضي الجميع، ولكننا نحاول قدر المستطاع كسب المعاميل من مختلف الميول والاتجاهات والأذواق. وبالنسبة لي أكون سعيد جدا، عندما أجد كل إنسان يلقى ما يريد في السوق. برأيك ما الذي يجعل العراق البلد الغني بثرواته الطبيعية أن يكون متأخرا في المجال الصناعي الإنتاجي وتحديدا في مجال صناعة الألبسة؟ السبب الأول برأيي هي الحروب المتزامنة التي مر بها العراق منذ عام 1980م. لقد سببت الحروب إهمالا في كافة القطاعات الإنتاجية في العراق وجعلت كل تركيزه خلال تلك الحقبة على الجانب العسكري مع إهمال الجانب الإنتاجي الصناعي والسبب الثاني والرئيسي الذي قضى على صناعة العراق كبلد إنتاجي تمثل بفترة الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق فصارت فيها المواد موثقة دوليا، فمثلاً القدح الذي ينكسر في العراق لا يوجد له بديل يصنع في معامل العراق، إلا ليستورد من الخارج، لأن المعامل في العراق توقفت، ولأن المواد الأولية والتي كانت تعتمد عليها العراق في إنتاجها قد نفذت بسبب الحصار الذي فرض عليه. كما لم تكن تتوفر الصيانة اللازمة للمعامل التي كانت تعطب. لتؤدي تلك الظروف مجتمعة بالعراق ليكون أقوى الأسواق المستهلكة عالميا،ً لأنه لا يحوي على أي نوع من الإنتاج. وكي يتواكب مع الدول الإنتاجية يتطلب عقود من الزمن تقوم فيها العراق بالاحتكاك مع الدول الإنتاجية واستيراد المكائن الجديدة وتأهيل القدرات البشرية وتوظيفها بالشكل الصحيح لإدارة تلك المعامل، لكي تبدأ بالإنتاج وتبدأ السلع العراقية بالنزول في الأسواق، وتصنع لنفسها اسما تنافس من خلاله المنتجات الأجنبية وتضاهيها مستقبلا. في حين سوريا عملت عكس سياسية العراق الاستهلاكية، فقد قامت بمنع الاستيراد، والحاجة أم الاختراع. فبدل من استيراد الملابس من مصانع تركيا، أنشأت مصانع على أحدث مستوى في سوريا وابتدأت بالتصنيع بنفسها. وفي الوقت الذي كان تجار العراق يمنعون من السفر بحرية، كان المصنعون السوريون يتجولون في بلدان العالم ويكتسبون الخبرات، لحين استطاعوا أن يكونوا لهم في السوق اسماً خاصاً بهم، وهذا لم يبلغوه خلال ليلة وضحاها، كما إن العراق أيضا لم تنتهي قدراته الإنتاجية خلال ليلة وضحاها. والمشهد العراقي اليوم لم يتغير كثيرا، فاهتمامات العراق كانت سابقا تنصب في جانب التسليح العسكري، واليوم باتت تنصب في الجانب الأمني، والصورتين لا تختلفان عن بعضها. والقطاعات الأخرى تشهد إهمال على حساب التشجيع الكبير الذي تحظى به عملية الاستيراد فبات العراق اليوم يعتبر من أفضل البلدان من ناحية الاستيراد إذ بإمكان أي تاجر في أيامنا هذه إن يسافر إلى خارج العراق، ويتبضع بما يرغب ويقوم بإدخال بضاعته إلى العراق، دون أن يدفع رسوم جومركية أو أن يطالب بإجازة رسمية معينة. والمواد تدخل في العراق بأسعارها الحقيقية كما هي في المنشأ، والتاجر يتحمل فقط أجور النقل والشحن، كما إن للتاجر الحق في جلب أي نوع أو موديل، لأنه لا يوجد هناك برنامج التقييد والسيطرة النوعية يفرض عليه. حسنا وما الذي يقف في طريق تفعيل القطاع الإنتاجي للألبسة والبدء من جديد؟ أي خطوة كهذه يجب أن تكون مدروسة جيدا، فهي برأيي ستكلف الكثير. وعلى الدولة في هذه الحالة أن تساهم بدعم هذا القطاع بشكل فعلي من خلال استيراد المكائن وجلب الأيدي العاملة من ذوي الخبرة في استخدام تلك الآلات من الخارج، وتامين متطلبات حياتهم الأساسية في العراق، لحين تتوفر لدى العراق القدرة التشغيلية الذاتية. فحال الحاضر المستثمر العراقي ليس بمقدوره أن يجازف بفتح مصنع في العراق ويتحمل كل هذا العناء لوحده، فضلا عما سيترتب عليه من أعباء ثقيلة كدفع الضرائب، وأجور العاملين، وصرفيات الكهرباء، الذي يعتبر أساس المصنع بالإضافة إلى تكاليف استيراد المواد الأولية ومن ثم قد تربح وقد تخسر. فالنتائج غير مضمونة خصوصا وان المادة المنتجة في العراق مهما حملت من امتيازات تفوق الأجنبية يظل منشأها محلي، والناس يرغبون بشراء المنتجات الأجنبية على شراء المنتجات المحلية. ما هو التحدي الأكبر لك كصاحب محل لبيع الألبسة؟ هناك منافسة غير شرعية بحكم الرغبة في التقليد، فلعدم وجود خبرة في مجال الألبسة لدى غالبية أصحاب محلات بيع الألبسة في أيامنا هذه، تراهم يقومون بتقليد البائع ذو الخبرة، فيرى الألبسة التي عليها إقبال أكثر فيقوم هو أيضا باستيراد نفس تلك الملابس وبذلك تحدث منافسة بين التجار فكل واحد يريد أن يتمسك بزبائنه لكي لا يفقدهم، فيلتجئ إلى خفض سعر القطعة وفي النهاية يخسر الاثنين. وهذا ينتج لعدم وجود حسابات صحيحة لدى الشخص الجديد الداخل في السوق، فتعزل تلك المحلات بعد فترة من افتتاحها فمثلا في دهوك يوجد قرابة ( 25 ) محل لبيع الألبسة من نفس الخط الذي أنشط فيه، خط السبورات والسهرات، فمع إن محافظة دهوك تستقطب السياح بشكل جيد خصوصا خلال الموسم السياحي في فصل الصيف، والمستوى المعيشي للفرد أصبح أفضل من الأول بارتفاع رواتب الموظفين، إلا إن هذه النسبة من المحلات تظل متفوقة على نسبة احتياج المستهلك لها حسب رأيي. ونفس السببين يشكلان اليوم تحدي كبير أمام تجارة ملابس أخرى تعرف بـ ( البالات ) إذ أرى بأنها ستنتهي مستقبلا فمع كل انتعاش اقتصادي تتقلص رقعة الفقر، ويقل الإقبال على هذا السوق، الذي يكون غالبية من يتردد عليه هم من الطبقة الفقيرة. لاشك في ان هواة التسوق يكونون الأكثر لهفة للذهاب إلى السوق، غير ان الانفتاح الكبير في مجال الألبسة من حيث حرية الاستيراد كماً ونوعاً، وحرية السوق سعراً وانتشارا لمحلات البيع، بات لدى معظم الناس عاملا سلبياً، فالذهاب إلى السوق لشراء الألبسة يمثل بالنسبة لهم عبئاً ثقيلاً إذ يجدوا صعوبة في العثور على الملابس العصرية والتي تتناسب مع المعايير التي يحددوها لأنفسهم في الوقت ذاته، وبعد أن شرح لنا السيد سعد بيو خفايا عملية الاستيراد والبيع في أيامنا هذه من جهته كتاجر كان لنا ان نسلط الضوء على راي آخر لينطلق من جهة الزبائن ومن خلال هذه الوقفة مع السيدة (أحلام صادق) التي تعمل مدرسة للغة الانكَليزية في إحدى النواحي التابعة لأربيل. أحلام والتي تسكن في مدينة عنكاوه، توجهنا إليها بعدة أسئلة أجابت عليها من وجهة نظرها الخاصة التي قد تلقى بين الناس من يتفق معها بشدة، ومن يتفق معها جزئياً، أو من لا يتفق معها نهائياً. من الملاحظ كثرة تردد الناس لمحلات بيع الألبسة برأيك هل يرجع هذا لسرعة استهلاك الألبسة أم لعدم الشعور بالاكتفاء؟ يرجع الأمر إلى الاثنين إما إلى الاستهلاك السريع أو لعدم قدرة الإنسان على إشباع رغباته لكي يتمكن من مواكبة تطورات الزمن خصوصاً إن الإكثار من مشاهدة التلفاز والبرامج التي تبث مواضيع عن المودة وانتشار ظاهرة تقليد النجوم الكبار تجعل منه لا يكتفي بما لديه ويرغب بتقليد تلك النجمة وذلك النجم وقد يفوق ذلك الأمر قدراته المادية وسيقوم بكل هذا فقط ليلاحق المودة. والتقليد برأيي قد يكون إيجابي وقد يكون سلبي فهو ايجابي بمواكبة المرء للعصر الذي يعيشه وارتداء الملابس بحسب مواسمها وبحسب تنوع المناسبات وما تتطلبه كل مناسبة من ملبس معين فهناك ملابس للطلعات العادية وملابس رسمية وهناك ملابس السهرات ولكل منها الزمن والمكان الذي تناسبه والبيئة التي يعيش فيه المرء وقد يكون التقليد سلبي عندما يبالغ المرء في الأمر ويلاحق المودة لان المودة لا تنتهي وهي في تغير مستمر. وهل ما يتواجد في محلات بيع الألبسة يشبع كل الأذواق والرغبات وإذا لم يلبي ذلك فماذا سيكون الحل برأيك؟ هناك بعض الخطوط يجب أن نتوقف عندها فهناك ملابس كثيرة تتناسب مع أعمار الكبار فاغلب الملابس الحالية الموجودة في محلات بيع الألبسة هي ملابس للمراهقات وللأطفال ولا تتناسب مع بقية الأعمار والمستويات الاجتماعية والشخصية والمهنية وعلى النساء الكبار أن يتجولن كثيرا ولعدة مرات في السوق ليجدن ما يناسبهن بصعوبة فقد تعثر على قطعة مناسبة في جانب معين بالنسبة لها لكنها ترى بأنها غير مناسبة من جانب آخر فمثلا قد لا تناسبها ألوانها مع إن التصميم والحجم مناسب أو أن يناسبها التصميم والألوان لكن حجمها غير مناسب ولا يوجد حجم آخر منها والملابس بشكل عام تحدد معايير اختيارها من قبل الشخص نفسه والسوق برأيي لا يلبي جميع الرغبات فهو يلبي رغبات البعض فقط ونظراً لعدم وجود حل آخر فإن من لا يجد ما يلبي رغبته فيه يلتجئ إلى الخياطة كحل وكما هو معروف الخياطة غالية وهي تكلف أكثر من شراء القطع الجاهزة الموجودة في السوق فكثيرا ما يختار الإنسان ما لا يناسبه في السوق كي لا يلتجئ إلى الخياطة نظرا لتكاليفها الباهظة من جهة وتلافياً للجهد الأكبر الذي سيبذله عند التجائه إليها فسيتطلب الأمر منه أن يتردد لمحل الخياطة أكثر من مرة لغرض القياس والتجربة لحين يتم الاتفاق على التفاصيل النهائية وتسني استلامه القطعة لاحقا. وحالياً الخياطة بشكل عام تواجه تحديات كثيرة منها أسعارها المرتفعة وذلك لتعويض النقص الحاصل في وارداتها فهي لم تعد تتمتع بالرواج الذي كانت تتمتع به في السابق بسبب كثرة محالات بيع الألبسة ورغم كل ذلك لازلنا نشاهد محلات الخياطة مفتوحة أمام الناس. بما تشيرين قريناتك من النسوة اللواتي يترددن إلى محلات بيع الألبسة في أيامنا هذه؟ على المرء الابتعاد عن الإسراف وأن يراعي ميزانية المنزل فلا داعي للفرد أن يشتري ما هو أكثر من ميزانيته لأنه من الممكن الاستفادة من تلك الأموال في سد احتياجات أخرى للأسرة فإمكان الإنسان أن يجد في السوق وبكل يسر ملابس غالية وأخرى متوسطة الأسعار وأخرى بأسعار مناسبة. كما على المرء أن يكون حريصا في اختيار ما يلبس، فمن الضروري أن تتناسب ملابس المرء من الناحية الدينية والفكرية والاجتماعية والمهنية، وعلى المرأة أن تتفنن في ارتدائها للملابس بطريقة لا تظهر فيها عيوبها، فكثير من النسوة يرتدن ملابس لا تناسبهم كأن تكون ضيقة في حين هم أشخاص بُدُن. كما يجب أن تتناسب الملابس مع أعمار من يلبسوها وحسب البيئة التي يعيشون فيها خصوصا وان شراء الملابس العارية القصيرة جدا وارتدائها يتنافى مع أسلوب مجتمعنا الشرقي المحافظ مع الخلط الحاصل في الأشياء مع بعضها إذ ارتداء ملابس الحفلات في زيارات عائلية أو أماكن عامة شيء غير مستحب فلكل زمان ومكان محددات خاصة به فمن جهتي أرى حتى الخروج من المنزل بملابس المنزل كالتراكسوت مثلا لشراء حاجة من دكان ما وإن كان قريب من المنزل يعتبر ظاهرة غير مستحبة. وأحب أن أقول بأن على المرء أن يفكر في شراء ما هو يحتاج إليه ملياً فكثيرا من الأحيان يذهب الشخص إلى السوق لشراء أمور محددة، لكن الأجواء المثيرة في السوق، والأضواء البراقة في المحالات، وانعكاساتها على الألبسة، وأسلوب الباعة، يؤثر في اختيارات المرء. وكما يقول المثل الانكليزي: (لا يمكن للمرء أن يفتح محل للبيع أن لم يكن لسانه معسولا) فيأتيك بالقول بأنها مودة، وبأنك لا تستطيع أن تلقى مثل هذه القطعة في محل آخر. وفي أحيان أخرى يقع المرء تحت تأثير الناس الذين من حوله فيقنعوه بشراء شيء غير مقتنع بشرائه فيقولوا له لا تتردد لأن على الإنسان أن يتماشى مع المودة الكل هكذا يلبس. وعن نفسي لا أرى بان هناك ضير من أن أتواكب مع تطورات العصر، ولكن ضمن الحدود والمعايير التي أضعها لنفسي وعلى المرء أن يكون أذكى من الانجراف وراء تلك المغريات. لابد لأن يكون للبعد الروحي رأي هو الآخر في هذا الشأن أيضا، فالكثير لا يرى بأن للإيمان علاقة بكيفية ارتداء الإنسان للملابس، لان الإيمان ينبع من القلب، في حين غيرهم يعتبر الإيمان الحقيقي جوهراً يعكسه عمل الإنسان ظاهراً، طبعاً بصرف النظر عن الرياء الذي لا يكون فيه الظاهر إلا صورة مزيفة عن باطن شرير هذا من جهة. كما إنه ليس بغريب ان تكثر التساؤلات حول مدى ثبات المفاهيم والقيم الروحية في ما تدعو إليه رغما عن كل المتغيرات السريعة التي تشهدها الحياة في مختلف مفاصلها من جهة أخرى. وللوقوف أمام هذه النقطة، ولمعرفة المزيد عن وجهة نظر الإيمان المسيحي بخصوص موضوع الملابس، توجهنا بأسئلتنا والتي كما يبدو أنها أسئلة الكثيرين إلى القس (جوني داود حنا) خريج كلية بابل لدراسات اللاهوت والفلسفة، كاهن كاتدرائية مار إيث آلاها في دهوك فتفضل بالإجابة عليها مشكوراً بأسلوب كتابي رصين. هل لك أن تحدثنا عن نظرة الكتاب المقدس للملابس؟ يذكر لنا الكتاب المقدس في أولى أسفاره وهو سفر التكوين، كيف إن الله أمر آدم وحواء بعدم التناول من ثمر شجرة معرفة الخير والشر، وكيف إنهما عصيا أمر الله وتناولوا منها فطردوا من الفردوس والعلامة التي أدركوا بأنهم أخطئوا بفعلتهم تلك تمثلت بإدراكهم في تلك اللحظة بأنهما عريانان. وقد قاصص الله أدم وحواء بطردهم من الجنة، ومنذ تلك اللحظة فكر الإنسان في صنع الملابس ليكسو بها عريه. إذ يذكر الكتاب المقدس بان آدم وحواء لحظة انفتحت أعينهما وعلما إنهما عريانان خاطا لأنفسهما أوراق تين وصنعا منهما مآزر وتغطوا بها. لتكون فكرة الملابس وبحسب الكتاب المقدس قد نشأت بقدم التاريخ، وقد جاءت مقترنة بخطيئة الإنسان الأصلية وواقع عريه. وفي الكتاب المقدس شواهد كثيرة تؤكد على ضرورة الاحتشام والحشمة بشكل عام، وخاصة بالنسبة للمرأة، لأن المرأة التي تكون غير محتشمة في لباسها ستجذب نظر الرجل إليها ويكون عرضة اشتهائها، والشهوة في مثل هذه الحالة تعتبر مخالفة لإحدى وصايا الله العشرة إذ يقول نصها: (لا تشته بيت قريبك. لا تشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئا مما لقريبك) (خروج 20: 17). فالنظر إلى امرأة جميلة حسناء في لباس غير محتشم تثير الشهوة وتوقع الرجل في الخطيئة فعندما خلق الرب الإله آدم جبل تراباً من الأرض ونفخ في انفه نسمه حياة فصار آدم نفسا حية. أي بما معناه شخص الإنسان هو مركب من الجسد والذي أصله من التراب، والروح التي أصلها من الله. وعلى الإنسان أن يعتني بجسده وروحه، فالروح تكون بحاجة إلى غذاء روحي، والجسد يكون له أيضا احتياجاته الجسدية كحاجته إلى التغذية والعناية الصحية والنفسية وأيضا إلى الكساء فكساء الجسد بالملابس هو حاجة من حاجات الجسد أيضا وفي داخل جسد الإنسان توجد غرائز وهذه الغرائز قد تتحرك باتجاه معين وتتسبب بوقوع الإنسان في الخطيئة وهناك آيات في الإنجيل المقدس تؤكد على أن الاحتشام واجب ضروري ومقدس بالنسبة للإنسان وخاصة المرأة فنأتي إلى الإنجيل حسب البشير متى نلاحظ كيف إن ارتداء الملابس الغير المحتشمة والفاضحة سيعتبر عملا أثيما وأبشع مما يستطيع الإنسان أن يتخيله لأنها تتسبب بالعثرات التي يقول الرب عنها: (ومن أعثر احد هؤلاء الصغار المؤمنين بي فخير له أن يعلق في عنقه حجر الرحى ويغرق في لجة البحر ويل للعالم من العثرات. فلا بد ان تأتي العثرات ولكن ويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة) (متى 18: 6 _ 8) وفي رسائل الرسول بولس نقرئ: (فمن ثم أيها الإخوة نسألكم ونطلب إليكم في الرب يسوع إنكم كما تسلمتم منا كيف يجب أن تسلكوا وترضوا الله تزدادون أكثر. لأنكم تعلمون أية وصايا أعطيناكم بالرب يسوع. لان هذه هي إرادة الله قداستكم. أن تمتنعوا عن الزنى أن يعرف كل واحد منكم أن يقتني إناءه بقداسة وكرامة. لا في هوى شهوة كالأمم الذين لا يعرفون الله. أن لا يتطاول احد ويطمع على أخيه في هذا الأمر لان الرب منتقم لهذه كلها كما قلنا لكم قبلا وشهدنا. لان الله لم يدعنا للنجاسة بل في القداسة) (تسالونيكي الأولى 4: 1 _ 7) وأيضا مذكور: (وكذلك إن النساء يزيّنّ ذواتهنّ بلباس الحشمة مع ورع وتعقل لا بضفائر أو ذهب أو اللآلىء أو ملابس كثيرة الثمن بل كما يليق بنساء متعاهدات بتقوى الله بأعمال صالحة) (تيموثاوس الأولى 2: 9 ، 10) ومكتوب أيضا عن الرسول بطرس في (بطرس الأولى 3: 3 _ 5) (ولا تكن زينتكنّ الزينة الخارجية من ضفر الشعر والتحلي بالذهب ولبس الثياب بل إنسان القلب الخفي في العديمة الفساد زينة الروح الوديع الهادئ الذي هو قدام الله كثير الثمن. فانه هكذا كانت قديما النساء القديسات أيضا المتوكلات على الله يزيّن أنفسهن خاضعات لرجالهن) هناك اختلاف بين المبدأ الكتابي الذي تفضلتم بتأكيده بالآيات والشواهد مع الواقع ما يرتدنه الناس من موديلات حاضراً فكيف تنظرون لهذا الأمر؟ من كل هذا أرى في الحقيقة انه لشيء مؤلم لي ككاهن وأنا أتحدث عن موضوع الملابس وأؤكد على الحشمة التي وللأسف كثير من الناس بُدُوّ يلبسون الملابس الغير اللائقة في كثير من الأماكن، ومنهم من راح يرتدها في الكنيسة أيضا، والمسيح قال الويل للذي تأتي على يده العثرة فكل شخص يسلك سلوكاً غير صحيح يعثر من خلاله الآخرين سيعتبر حجر عثرة والإنسان بعدم تحشمه في لباسه سيصبح حجر عثرة وشك بالنسبة للآخرين. والإنجيل حسب البشير متى واضح وصريح لذا نحن الكهنة في الكنيسة اكليروس بشكل عام دائما بعد فترة وأخرى ننبه أعزائنا أبنائنا وبناتنا على هذا الموضوع الذي يعتبر ضروري وأساسي لأن الكنيسة مكان للصلاة ونحن كمسيحيين مؤمنين أمهاتنا وبناتنا علينا أن نتهيأ بالشكل اللائق لنتقابل مع الرب يسوع في قدس الأقداس. قس جوني ما هي أهم المعوقات التي تقف في طريقكم وانتم تمضون إلى تطبيق هذه الوصايا؟ الإنسان عليه دوما أن يسمع والكاهن عندما يوصي في الكنيسة على المؤمنين أن يطبقوا بقدر الإمكان وصاياه وخصوصا فيما يتعلق بالأشياء الجوهرية والأساسية التي ترتبط بإيماننا المسيحي وأخلاقنا المسيحية. وهناك نوع من اللاهوت هو اللاهوت الأدبي، وهذا اللاهوت يتكلم عن سلوك وتصرف الإنسان من الناحية الأخلاقية. والكنيسة هي أم ومدرسة تعلم أبنائها وترشدهم إلى الطريق الصحيح من الناحية الأخلاقية والأدبية لذا ترانا في الكنيسة نحث المؤمنين أمهاتنا وبناتنا بخصوص هذا الموضوع الذي يبقى دائما مطروحا بين فترة وأخرى ويعاد ذكره في كنائسنا. ولكون دور الكنيسة هو دور إرشادي فهذا لا يمنعها من إصدار تعليمات صارمة بخصوص هذه الأمور للتقليل من نسبة هؤلاء الناس الذين يرتادون إلى الكنيسة بملابس غير محتشمة وهذه الأمور تتوقف على خوري الرعية أو الكاهن المسؤول عنها ليضع تعليمات صارمة كي ما يقلل من نسبة الخروقات والأمر نسبي وليس مطلق فهناك كثير من الأكليورس هم متشددون بخصوص هذا الموضوع وهناك من يتطرق عليه قليلا. وعلينا أن نحترز كثيرا فهناك شيء خطر جدا دخل عالمنا وهو العولمة التي بالنسبة لكثير من الأمور تعتبر ايجابية وبالنسبة لأمور أخرى تعتبر سلبية والإنسان من الممكن أن يختار ما يناسبه في الحياة من فعل الخير وتجنب فعل الشر فكما يذكر في الكتاب المقدس: (كل الأشياء تحل لي لكن ليس كل الأشياء توافق. كل الأشياء تحل لي ولكن ليس كل الأشياء تبني) (كورنثوس الأولى 10: 23) لقد اقتحمت العولمة مجتمعنا البدائي الغير المتطور فتسبب ذلك بحدوث طفرة نتيجة عدم توظيف إيجابياتها بشكلها الصحيح، وفي مجتمعنا بشكل عام تم اخذ العولمة من جوانبها السلبية أكثر من الإيجابية. إننا لسنا أهلا لاختيار ما يناسبنا إذ لا توجد توعية كافية وأدراك كامل لدى الإنسان في اختيار ما يناسبه فهو في كثير من الأحيان لعدم معرفته لا يقدر التمييز بين ما يرغب به وما يحتاج إليه، فتراه يسلك طريق شهواته ورغباته وأهوائه و ملذاته الدنيوية والشخصية فيقع في فخ الأهواء. سؤال أخير هل ترى الإنسان المسيحي المؤمن عليه أن يلتزم بقواعد الحشمة في ملابسه فقط عندما هو متواجد في الكنيسة أم في كل مكان؟ في الحقيقة الكتاب المقدس هو دستور حياة الإنسان المسيحي المؤمن، وعليه أن يعيشه بكل ما يحمل من وصايا. والحشمة في الكنيسة واجب ضروري مقدس على كل مسيحي مؤمن. وككاهن ادعوا للحشمة ليس في الكنيسة فحسب بل في كل مكان. يبدو إن الأسباب التي تقف خلف وصول ملابس اليوم على ما هي عليه متعددة، وكما توضح لنا فأن لتباين وجهات النظر واختلاف الآراء فيما بينها حول هذا الخصوص أثر واضح على طرق تعامل الإنسان مع صناعة وبيع وشراء الملابس. أخذين بنظر الاعتبار الظروف الزمنية والمكانية المتغيرة التي تمر بها كل مرحلة من مراحل الحياة في مجمعاتنا، وتأثر الثقافات المتنوعة للمجتمعات بعضها ببعض. وعلى الرغم من هذا وذاك يبقى التحدي الأكبر الذي يكمن في الملابس هو مقدار بلوغها للغاية من وجودها، ومقدار إشباعها لحاجة الإنسان إليها، فالإنسان والملابس أمام التحدي فبين الحشمة والتَعري هوة كبيرة هذا إن كان حقاً المعنى الذي يستدل من كلمة الملابس هو ما يلبسه المرء وليس ما يخلعه، والاختبار الأصعب الذي يفرضه واقع الحال في صناعة وبيع وشراء الألبسة في مجتمعنا أمام إنسان الحاضر يبقى تجاوزه رهن الإجابة بقناعة على التساؤل الذي يفرض نفسه بنفسه (كيف علينا أن نلبس؟ أنلبس كالموجود؟ أم نلبس كما ما يختاره لنا الآخرون؟ أم نلبس كما يريده لنا الله أن نلبس؟)